يتميز البشر بقدرتهم على التعبير عن العواطف وفهمها والتعامل بها، وظلّت هذه الميزة حِكراً على العنصر البشري؛ إلا أن الذكاء الاصطناعي في محاولاتٍ مستمرة لمحاكاة هذه القدرات وتطويرها، ويستمر في تسجيل تطوراتٍ ملحوظة في مفهوم العاطفة، بهدف تطوير أنظمة ذكية قادرة على استشعار وفهم العواطف البشرية والتفاعل معها بشكل مماثل. وتتضمن فوائد الذكاء الاصطناعي العاطفي القدرة على تحسين التواصل بين البشر والأجهزة، مما يجعل تلك الأجهزة أكثر فهماً واستجابة للمشاعر والاحتياجات البشرية. ويعد الذكاء الاصطناعي العاطفي ثورةً في مفهوم التقنية والعاطفة، وسيكون له تأثير كبير على حياتنا وطريقة تفاعلنا مع التقنية، ومع مرور الوقت والتطور المستمر، سنشهد تغيراً في علاقتنا بالآلات وستصبح أكثر قدرة على فهمنا والتواصل معنا بطرقٍ تكاد تكون إنسانية. فما هو الذكاء الاصطناعي العاطفي؟ يسمى الذكاء الاصطناعي العاطفي أيضاً بالـ"الحوسبة العاطفية"، وهو مجموعة فرعية من الذكاء الاصطناعي، يُعنى بتحليل ومحاكاة المشاعر البشرية والتفاعل معها، بالاعتماد على معالجة اللغة الطبيعية، وتحليل الصوت، وتحليل تعابير الوجه والمشي والإشارات الفسيولوجية. حيث يعمل الذكاء الاصطناعي العاطفي على تفسير الإشارات العاطفية البشرية التي تظهر في أشكالٍ مختلفة من النصوص والأصوات والفيديو لإضفاء روح العاطفة على الآلات، ويعود أصل هذا المجال إلى روزاليند بيكارد، الأستاذة المحاضرة بمختبر الوسائط في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT، عندما نشرت ورقتها العلمية عام 1995 بعنوان "الحوسبة العاطفية".

تهدف تقنيات الذكاء الاصطناعي العاطفي إلى تمكين الأنظمة الذكية من فهم وتفسير العواطف البشرية والاستجابة لها، لذلك تتفاعل بشكلٍ أكثر ذكاءً وتعاطفاً مع المستخدمين، وتتضمّن تقنيات الذكاء الاصطناعي العاطفي العديد من الأساليب والأدوات، منها: 1- معالجة اللغة الطبيعية والتحليل اللغوي: يهدف إلى فهم وتحليل المشاعر والعواطف في النصوص والمحتوى المختلف، مثل (تغريدات تويتر أو مقالات الأخبار)، ويعتمد على الخوارزميات لتحديد إذا كانت العبارات تُوحي بالسعادة، أو الحزن، أو الغضب، أو غيرها من العواطف. 2- التعرف على الوجه وتعبيرات الملامح: تُستخدم تقنيات التعلم العميق والشبكات العصبية الاصطناعية لتطوير نظم قادرة على تمييز مختلف التعبيرات الوجهية، والتغيّرات في ملامح الوجه وحركة العين، للكشف عن المشاعر البشرية مثل: السعادة، والحزن، والخوف، والغضب، وغيرها من المشاعر. 3- توليد اللغة الطبيعية: تُستخدم خوارزميات توليد النصوص الإبداعية في تطوير أجهزة وبرامج قادرةً على إنشاء تعابير لغوية واستجابات تحمل العواطف، وتتفاعل مع المستخدمين بشكل فعال. 4- تعلُّم الآلة: تعمل تقنيات تعلّم الآلة المتقدمة على تمييز وفهم العواطف في قواعد البيانات، وتحديد العلاقة بين العواطف والسياقات المختلفة؛ وذلك من خلال تحليل كميات ضخمة من البيانات، وتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي للتعرف على الأنماط والصيغ العاطفية. 5- التعرّف على الصوت: تعتمد تقنيات التعرف على الصوت على دراسة الإشارات التي تمثل كل شيء في المحادثة إلى جانب الكلمات، مثل: نبرة وشدة الصوت، والتوقفّات ولحظات الصمت، والتَّرَنُّم، حيث تُساهم كل من هذه المؤشرات في فهم النوايا والأهداف والمشاعر التي يشعر بها الأشخاص في المحادثات.

يحمل الذكاء الاصطناعي العاطفي إمكانات هائلة للمستقبل، حيث يمكن تطبيق تقنيات الذكاء الاصطناعي العاطفي في مجالاتٍ متعددة، مثل الرعاية الصحية العاطفية، والروبوتات التعليمية، وتحليل الانفعالات في وسائل التواصل الاجتماعي، والتجارة الإلكترونية، وتحسين تجربة المستخدم، وغيرها من المجالات التي تتعلق بالعواطف والتفاعلات البشرية، ومن المتوقع أن يقفز الحجم السوقي للذكاء الاصطناعي العاطفي بنسبة 12.9% بحلول عام 2027. تُعدُّ مساعدات الذكاء الاصطناعي مثل (سيري، وأليكسا، ومساعد قوقل) تطبيقات مباشرة لاستخدام الذكاء الاصطناعي العاطفي، لتفاعلها المباشر مع البشر، وفهم الأوامر والاستجابات الصوتية للمستخدمين، كما يمنح التحسّن في الذكاء الاصطناعي العاطفي أريحيةً لدى المستخدمين في التعامل مع المساعدات الذكية، والتحدّث معها بطريقة طبيعية، واستفسارها عن الأشياء باللغة العادية. ويُضفي الذكاء الاصطناعي العاطفي -كذلك- بُعداً جديداً على خدمات التسويق وخدمة العملاء، حيث يُمكن من خلال التعرّف على العواطف والمشاعر تحليل وجوه وتعابير المستخدمين وردود أفعالهم تجاه المنتجات أو الخدمات أو العروض الترويجية، والاستفادة من ذلك في دعم السلوكيات والخدمات، التي تزيد التقييمات الإيجابية ورضا العملاء. ويتمتع الذكاء الاصطناعي العاطفي بإمكانات كبيرة في مجال الصحة العامة والصحة النفسية على وجه الخصوص، ومن أمثلة تطبيقاته توظيف الذكاء الاصطناعي العاطفي في رعاية الأشخاص المصابين بالخرف، والأطفال المصابين بالتوحّد، حيث يواجهون صعوبة في فهم حالتهم العاطفية، وفي إيصال شعورهم إلى القائمين على رعايتهم. فيمكن مثلاً تزويدهم بـ"أطراف اصطناعية" تواصلية تساعدهم في قراءة تعابير وجوه الآخرين، أو تتبع تغييراتهم الانفعالية عبر الأجهزة القابلة للارتداء أو كاميرات الهواتف الذكية والأجهزة اللوحيّة، مما يُخفّف العبء الثقيل الذي يقع على عاتق مقدمي الرعاية، وتفعيل الاستفادة من القياسات النفسية الأقل اعتماداً على التقييم الذاتي، مثل: تعبيرات الوجه، أو إشارات الكلام، أو السلوك والتنبؤ بحالة الشخص النفسية والجسدية، بناءً على البيانات التي تجمعها أنظمة الذكاء الاصطناعي العاطفي.

على الرغم من الفوائد التي يَعِد بها الذكاء الاصطناعي العاطفي، إلا أن هناك العديد من التحدّيات الشائكة، حيث إنّ فهم العواطف وتفسيرها هو أمرٌ شديد التعقيد، إذ يتطلب من تلك الأنظمة معرفة السياق والتفاعل مع العديد من المتغيرات المختلفة، كما أنّ هناك قضايا أخلاقية تحتاج إلى توظيفٍ متوازنٍ لتقنيات الذكاء الاصطناعي وحقوق الخصوصية والأخلاق. وتُعرّف أخلاقيات الذكاء الاصطناعي العاطفي بأنها مجموعة من القيم والمبادئ التي تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي لفهم العواطف البشرية والتفاعل معها، وتهدف هذه الأخلاقيات إلى ضمان أن يتم استخدامها بشكلٍ أخلاقي وإنساني، ليكون تأثيرها إيجابياً على المجتمع. تُعدّ العدالة وعدم التمييز من أهم المبادئ الأساسية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي العاطفي، حيث يجب أن تُبنى نظم الذكاء الاصطناعي العاطفي بعيداً عن التحيزات والتمييزات الاجتماعية، مع ضمان تكافؤ الفرص، وعدم اتخاذ قراراتٍ ظالمة بناءً على جنس أو عرق أو دين أو أي عوامل أخرى، كما ينبغي تصميم تطبيقات الذكاء الاصطناعي العاطفي بحيث تلبي احتياجات المستخدمين، مع وجود خيارات وإمكانات مختلفة لتفسير ردود الفعل العاطفية، وفهم التواصل البشري بشكل شامل. ويجب أن تتسم طُرق عمل تطبيقات الذكاء الاصطناعي العاطفي بالشفافية؛ وأن يتاح للأفراد معرفة كيفية استخدام البيانات والمعلومات واتخاذ القرارات، ونظراً لخصوصية هذه التطبيقات وتعلقها بالعواطف؛ فإن ذلك يستدعي توفير أعلى درجات الأمان، ويستلزم اتباع إجراءاتٍ قويةٍ لحماية هذا النوع من البيانات، ومنع الوصول غير المصرّح به، واستخدامها بطرق غير قانونية أو غير أخلاقية. سيتيح لنا الذكاء الاصطناعي العاطفي فهماً أعمق للعواطف البشرية وتفاعلاتنا المعقدة، وسيفتح مجالاً لتطبيقاتٍ واسعةٍ في عالم الأعمال والرعاية الصحية والتعليم، بما يعزز من قدرتنا على استخدام التقنية بطرق تؤثر إيجاباً على حياتنا اليومية وخدمة المصلحة العامة وتحقيق الاستدامة الاجتماعية والبيئية، واستمرار تطوير الذكاء الاصطناعي مع تحقيق التوازن بين تقنيات المستقبل والمعايير الأخلاقية.

توصيات

تطبيقات علوم البيانات في القطاع الصحي

مقال

عرض
معالجة اللغات الطبيعية للغة العربية

كتيب

عرض
تطبيقات إنترنت الأشياء

ورشة مسجلة

عرض
ورشة ذكاء: كيف تبدأ مشروعك الريادي في الأمن السيبراني

ورشة مسجلة

عرض