إنترنت الأشياء في قطاع الصناعة (الصناعة 4.0)

دخلت الروبوتات والحواسيب إلى عالم التصنيع مع بزوغ فجر الثورة الصناعية الثالثة، وترك ذلك أثرًا واضحًا على تسريع العمليات وتقليل الأخطاء البشرية، إذ أسند جزءٌ كبيرٌ من عمليات التصنيع الروتينية إلى الروبوتات، فترتّب على ذلك رفع الإنتاجية وانخفاض الأسعار. ولكن، هل تُعد هذه الإنجازات أفضل ما يُمكن أن نصل إليه؟ واقعًا، يفتقد أسلوب التصنيع الحالي للمرونة التي تُمكّنه من تجاوز حالات الطوارئ والأعطال المفاجئة، كما أن إصلاح الأعطال والأخطاء المصنعية مكلّفٌ اقتصاديًا، فقد لا يُرصَدُ الخلل في جودة المنتج إلا بعد وصوله للمستخدم النهائي، وعليه فإنّ جميع العمليات التي تسبق ذلك ستكون هدرًا للجهد والوقت والمال.
تُولّد عمليات التصنيع كماً هائلًا من البيانات التي يَصعب أن يدركها ويعالجها العنصر البشري وحده (على الأقل في زمنٍ معقول)، ويأتي هنا دور شبكة الإنترنت لتتكامل مع العناصر الفيزيائية والبشرية والبيانات، وتسمح بمستوى تواصل أعلى ما بين الآلات نفسها وما بينها وبين العنصر البشري فيما يُعرف بإنترنت الأشياء. ويؤدي دمج إنترنت الأشياء مع تقنيات التصنيع الحديثة إلى تحويل عمليات التصنيع ونقلها إلى مرحلة المصانع الذكية، أو كما تُسمى الصناعة 4.0 أو إنترنت الأشياء الصناعي.

https://www.bossard.com/it-en/smart-factory-logistics/blog/2018/03/what-is-the-role-of-iot-in-the-industrial-space/


دور إنترنت الأشياء في قطاع الصناعة

يساعد إنترنت الأشياء الصناعي مؤسسات الأعمال على الاستفادة من قوة بياناتها وتحليلها لاتخاذ قراراتٍ أسرع وأكثر دقةٍ، حيث تحتوي حلول إنترنت الأشياء الصناعي على أجهزة استشعارٍ متصلةً مُوّزعةٍ في مرافق المصنع الذكي لمراقبة الآلات واحتياجها، ومراقبة بيئة المصنع والتأكد من ملاءمتها للمواصفات والمعايير، وتقوم بجمع بيانات المصنع الذكي في مراكز بياناتٍ مصغرةٍ تُخزن بيانات الموقع المهمة وتعالجها وتحللها للمساعدة في تحسين جودة المنتج وكفاءة تشغيل المصنع فوريًا.


أمثلة لحالات استخدام إنترنت الأشياء في الصناعة

أتمتة المصانع لتحقيق الكفاءة التشغيلية

في الصناعات الدقيقة التي تعتمد بشكلٍ كبير على البيئة المحيطة، يُمكن استخدام مستشعرات درجة الحرارة والرطوبة والمستشعرات المخصصة لقياس نسبة تركيز الغازات المختلفة في جو المصنع، وإرسال تنبيهات عند تجاوز النسب الملائمة لعملية التصنيع لاتخاذ اللازم أو حتى إيقاف عمليات التصنيع تلقائيًا. كما يُمكن استخدام إنترنت الأشياء في نقل المنتجات الحساسة، حيث وظّفت شركة الشحن الدنماركية المعروفة ميرسك (Maersk) مستشعرات الحرارة في الحاويات المبردة التي يمكن أن تفسد محتوياتها تبعاً لدرجة الحرارة، وانعكس ذلك على تحسين جودة التوريد وتقليل التكاليف. وفي عام 2014، ساعدت الروبوتات شركة أمازون في خفض تكاليف التشغيل بنسبة 20٪، حيث تعمل الروبوتات على زيادة كفاءة تجهيز طلبات العملاء، وذلك عن طريق جلب الروبوتات عناصر الطلب لمنطقة تجهيز الطلبات بدلًا عن ذهاب الموظف إلى مكان المنتجات.

الصيانة التنبؤية

تزوّد أجهزة إنترنت الأشياء في المصنع الذكي بمستشعرات مختلفة لقياس الحرارة والاهتزاز والجهد والتيار ونحوها، وتتبادل الأجهزة هذه البيانات فيما بينها أو بين مراكز الحوسبة السحابية. ويسمح هذا النوع من البيانات بتقدير الوضع الحالي وتحديد علامات التحذير وتفعيل الصيانة الاستباقية، ومن ثمّ تقليل التكلفة وتجنب توقف الإنتاج. ويعمل الواقع المعزز على تسريع العمليات والصيانة، مما يؤدي إلى مكاسب إنتاجية قد تصل إلى 7 بالمائة. وتُعدّ شركة إيه بي بي (ABB) للروبوتات سبّاقةً في تبنّي مفهوم الصيانة التنبؤية عبر المستشعر الذكي لنظام إيه بي بي أبيليتي (ABB Ability) الذي يقيس العوامل الرئيسية على أسطح الروبوتات للحصول على المعلومات حول أداءها، والتخطيط للصيانة وفقًا للاحتياج الفعلي.

فوائد تفعيل الصيانة التنبؤية في المصانع الذكية (المصدر: Byteant)


أين تذهب بيانات أجهزة إنترنت الأشياء؟

تحتاج البيانات المتدفقة من أجهزة إنترنت الأشياء داخل المصنع إلى تخزينها ومعالجتها، والحوسبة السحابية هي الخيار الأمثل لذلك. وتُعرّف الحوسبة السحابية بأنها تقديم خدمات الحوسبة عبر الإنترنت بما فيها الخوادم والتخزين وقواعد البيانات والشبكات والبرمجيات والتحليلات، وتُعَدّ تحوّلًا كبيرًا عن الطريقة التقليدية في عمليات تقنية المعلومات. وتتجه المنشآت حاليًا نحوها لاغتنام فوائدها الجمّة، كتقليل التكلفة، وسرعة الأداء، والمرونة العالية، ورفع الإنتاجية، والموثوقية التي تضمن استمرارية الأعمال والتعافي من الكوارث.


مثالٌ على نموذج تجاري لتقنيات إنترنت الأشياء في قطاع التصنيع

مايندسفير Mindsphere هو نظام تشغيل سحابي مفتوح لتقنيات إنترنت الأشياء، طوّرته شركة سيمنز الألمانية باعتباره حلًا لخدمة المنشآت ومساعدتها في تبنّي الصناعة 4.0. ويسمح مايندسفير للمنشآت بربط المنتجات والمصانع والأنظمة والآلات، ومساعدتهم في تسخير البيانات الضخمة من أجهزة عملائهم القديمة والذكية لتحقيق قدرٍ أكبر من الكفاءة والابتكار في جميع أعمالهم وعملياتهم.
يوفّر مايندسفير عدة خيارات لربطه بأنظمة بياناتٍ متعددةٍ، منها أنظمة التحكم الإشرافي وتجميع البيانات (سكادا)، وهي أنظمة تستخدم في العديد من البنى التحتية الحيوية لتوفير مراقبة النظام والسيطرة على مختلف العمليات على مدار الساعة، وتُوصّل أنظمة سكادا بشبكة المنشأة والإنترنت. وتعمل شركة ريتال الألمانية (Rittal) كشريك مع مايندسفير، حيث تنقل بيانات وحدات التبريد في مصانعها إلى نموذج مايندسفير القائم على السحابة، ومن ثمّ تراقب البيانات وتحللها عبر تطبيق الشركة المخصص لمايندسفير.

كيف سيبدو مستقبل إنترنت الأشياء في الصناعة؟

مع الانتقال من المصانع التقليدية إلى المصانع القائمة على إنترنت الأشياء والمتصلة بالإنترنت، ظهرت نقاط ضعفٍ جديدةٍ في المنظومة، ألا وهي عرضتها لمخاطر الهجمات السيبرانية. ولأن كل عناصر المصانع الذكية متصلة بالإنترنت، تُشكّل كل نقطة اتصال خطرًا إضافيًا وهدفًا للهجمات والجرائم السيبرانية التي يمكن أن تؤدي إلى وصول وتحكم المتسللين به عن بُعد، وسرقة الملكية الفكرية، وفقدان البيانات أو تغييرها. ولقد حدث ذلك في عام 2017م عندما استهدف هجومٌ سيبراني مصنعًا سعوديًا للبتروكيماويات، ما تسبب في تدمير محركات الأقراص ومحو بيانتها، واختراق أجهزة ترايكونيكس التي تنظم الجهد والحرارة والضغط.
لذلك ينبغي على المنشآت التي تفكّر في التوجّه نحو الصناعة 4.0 وإنترنت الأشياء الصناعي أن تأخذ في الاعتبار بنية الأمان من البداية على أحدث طراز، بالإضافة إلى التكيف مع التطوّرات في جانب الأمن السيبراني من خلال بناء تدابير الدفاع للمعدات وتحديث الأنظمة القديمة التي جرى لاحقًا وصلها بالإنترنت.
على الرغم من أن إنترنت الأشياء والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي يقودون مستقبل التصنيع، إلا أن ذلك لا ينفي أو يقلل من أهمية العنصر البشري. فالتوجيه والإشراف والتحكم وتحليل البيانات ودراستها واستخلاص القرارات منها ستظل تعتمد على الذكاء البشري اعتمادًا جوهريًا، وإن التوظيف الصحيح للتقنيات الحديثة سيزيد من تمكين القوى العاملة البشرية وإطلاق إمكاناتها وليس استبدالها.


المصطلحات:

إنترنت الأشياء الصناعي (Industrial Internet of Things (IIoT
الحوسبة السحابية Cloud Computing
سيمنز Siemens
أنظمة التحكم الإشرافي (Supervisory Control and Data Acquisition (SCADA
الأمن السيبراني Cyber Security


المراجع:

1- Siemens
2- Thales Group
3- Schneider
4- Microsoft
5- Byteant
6- KFUPM
7- IoTWorldToday
8- ABB